صفي الرحمان مباركفوري
362
الرحيق المختوم
غزوة فتح مكة قال ابن القيم : هو الفتح الأعظم الذي أعز اللّه به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين ، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين ، من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين اللّه أفواجا ، وأشرف به وجه الأرض ضياء وابتهاجا أه « 1 » . سبب الغزوة قدمنا في وقعة الحديبية أن بندا من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءا من ذلك الفريق ، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق . وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخرى ، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وثارات في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام ، ووقعت هذه الهدنة ، وأمن كل فريق من الآخر اغتنمها بنو بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم ، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 ه ، فأغاروا على خزاعة ليلا ، وهم على ماء يقال له : ( الوتير ) فأصابوا منهم رجالا ، وتناوشوا واقتتلوا ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر : يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك . فقال كلمة عظيمة : لا إله اليوم يا بني بكر ، أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟ ولما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ، وإلى دار مولى لهم يقال له رافع .
--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 160 .